الإهتمام بأحكام القراءات لا شك أنه من الاهتمام بكتاب الله -جل وعلا-، وأن معرفة هذه الأحكام والعناية بها من تحقيق حفظ الله -جل وعلا- لهذا الكتاب، ولا شك كذلك أن من علامة توفيق الإنسان أن يهتم بها، لكن ينبغي ألا يكون الاهتمام بها على حساب الثمرة العظمى من فهم النصوص، والاستنباط، والعمل. وقد اتجه الحافظ العراقي -رحمه الله تعالى- في أول أمره بكلِّيته إلى علم القراءات، فنهاه البدر بن جماعة، وجماعة من أهل العلم، وقالوا: (إن هذا تعب، وثمرته أقل من التعب الذي يُصرف إليه، فانصرف إلى علم الحديث)، لكن هذا الكلام لا يؤخذ على إطلاقه، بأن نترك القرآن، ونعمد إلى الأحاديث، بل نقول: إن العناية بهذه الأحكام من العناية بكتاب الله -جل وعلا-، ومعرفة هذا العلم بالنسبة للأمة فرض كفاية، كغيره من العلوم، إن لم يكن أهم من غيره، لكن المقصود ألا تكون على حساب الثمرة العظمى من الفهم والاستنباط والعمل هذه ورقات قليلة في نظم طرق الشاطبية والدرة وقد سماها المؤلف (سبل المسرة، إلى طرق الشاطبية).
أسهل ما يُتوصل به إلى علم القراءات من التصانيف المنظومات نظم الشيخ الإمام العالم أبو محمد قاسم بن فيرة بن أبو القاسم خلف بن أحمد الرعيني الشاطبي، ومن قصيدته اللامية المنظومة من الضرب الثاني من بحر الطويل، المنعوتة ب : (حرز الأماني ووجه التهاني) فأول شارح شرحها الإمام علم الدين السخاوي تلقاها عن ناظمها، وتابعه الناس على ذلك فشرحوها، فمنهم من اقتصر، ومنهم من علل وأطال، وخرج عن حيز الاعتدال، وهذا الكتيب تم فيها حل ألفاظها واستخراج القراءات منهابعبارة سهلة يفهمها المبتدئ، ولهذا لم يتعلل المؤلف للتعاليل المطولة فإنها مذكورة في تصانيف وضعت لها، وسماه المؤلف (سراج القارئ المبتدئ وتذكار المقرئ المنتهي).
مما يبشر بالخير ويدعو إلى الإعجاب ويستحق الإشادة إقدام الباحثين من علماء هذه الأمة على دراسة كتب التراث واختيار النافع منها لتحقيقه ونشره وفق القواعد العلمية للتحقيق، فرغم أن اكثير من أمهات الكتب قد نشر خلال القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين فقد بقيت نفائس كثيرة لم تنتشر بعد، وكذلك فإن ما نُشر لم يحفظ معظمه بالتحقيق العلمي الدقيق ومن النفائس التي لم تنشر كتاب "شرح الزبيدي على الدرة في القراءات الثلاث المتممين للعشر، وهو من الكتب النافعة المفيدة، وقد بذل فيه مجهوداً واضحاً، ففصل مجمله وأوضح غامضه، وأضاف فوائد مهمة في حسن عيارة، ولطف إشارة ومتانة سياق.