يُعَدُّ مصحف الشمرلي بالشواهد والعلامات دليلًا على القراءات العشر من المصاحف العلمية المتخصصة التي تجمع بين النص القرآني وبيان أوجه القراءات المتواترة، وقد ورد في فهرسة المكتبة دون نسبة إلى مؤلف معين، وجاء في أربعين وخمسمائة صفحة. ويقوم موضوع المصحف على عرض القرآن الكريم مع إلحاق العلامات والشواهد التي تدل على مواضع اختلاف القراء العشرة ورواتهم، بما يجعله مرجعًا تطبيقيًا يساعد على معرفة الأوجه القرائية في سياق الآيات. وتتمحور مادته حول أصول القراءات وفرش الحروف، وما يندرج تحتهما من مسائل المد والقصر، والإظهار والإدغام، وتحقيق الهمز وتسهيله وإبداله ونقله، والفتح والإمالة والتقليل، والصلة والإسكان، والوقف، وغير ذلك من وجوه الأداء المنقولة. ويسلك المصحف منهجًا تطبيقيًا يجمع بين العلامة المختصرة والشاهد العلمي، فيربط موضع الخلاف داخل النص بما يدل عليه من قواعد القراءات وشواهدها المعتبرة. ويتميز هذا المنهج بأنه لا يكتفي بإثبات الوجه القرائي، بل يقدّم للقارئ دليلًا يعينه على معرفة أصله ونسبته إلى القارئ أو الراوي المختص به. كما يسهم ترتيب الشواهد بمحاذاة المواضع القرآنية في تقريب المادة النظرية، وتيسير استحضارها أثناء القراءة والجمع والمقارنة. ومن أبرز مميزاته العلمية شموله للقراءات العشر المتواترة، وعنايته بتوثيق وجوهها، وتقليل الحاجة إلى مراجعة مصادر متعددة عند دراسة مواضع الخلاف. ويتميز من الناحية الفنية بجمال الخط، ووضوح الكلمات، وانتظام الصفحات، ودقة توزيع العلامات والشواهد بما لا يطغى على النص القرآني أو يعوق تلاوته. وتتسم لغته العلمية بالإيجاز والرمزية الاصطلاحية؛ إذ تعتمد مادته التوضيحية على علامات ومصطلحات مقررة عند أهل القراءات، مما يتطلب إلمامًا سابقًا بقواعد هذا الفن. وتظهر أصالة المصحف في استناده إلى التراث القرائي الموثق، وربطه أوجه القراءة بالشواهد التي قررها أئمة العلم في متون القراءات ومصادرها المعتمدة. كما يمثل تطويرًا وظيفيًا للمصحف التقليدي من خلال إضافة عناصر علمية تجعل صفحاته مجالًا للتلاوة والدراسة والتحرير في آن واحد. ويستهدف المصحف طلاب القراءات العشر، والمقرئين، والمدرسين، وحملة الإجازات، والباحثين في علوم القرآن والرسم والضبط وتوجيه القراءات. ويفيد الطلاب في تثبيت رموز القراء ورواتهم، ومراجعة مواضع الخلاف، وربط الشواهد المحفوظة بتطبيقاتها القرآنية المباشرة. كما يفيد المعلمين في شرح أوجه الأداء، ومتابعة جمع القراءات، وإعداد الدروس التطبيقية دون كثرة التنقل بين كتب المتون والمصاحف. ولا يغني هذا العمل عن التلقي والمشافهة على الشيوخ المتقنين؛ لأن ضبط النطق وتحرير الطرق وكيفيات الأداء لا يتحققان بالعلامات المكتوبة وحدها. وتكمن قيمته العلمية في تقديم القراءات العشر في قالب مصحفي جامع يجمع بين النص والدليل والتطبيق، ويعين على حفظ هذا العلم وصيانته من الخطأ والاضطراب. كما يضيف إلى مجال الدراسات القرآنية أداة تعليمية تجمع بين دقة الرواية وحسن العرض وسهولة الرجوع إلى مواضع الاختلاف. ويسهم المصحف في إبراز ثراء القراءات القرآنية وتنوعها المشروع، مع تأكيد اتصالها بالنقل الصحيح ووحدة النص المنزل. وبذلك يمثل مرجعًا تطبيقيًا ذا قيمة عالية للمتخصصين، ويؤدي دورًا مهمًا في تعليم القراءات العشر وتوثيق شواهدها ونقلها إلى الأجيال اللاحقة وفق منهج علمي منضبط.
غير موجوه الآن