يُعَدُّ هذا الكتاب دراسةً مبتكَرة في مجال علوم القراءات واللغة، إذ يقع عند نقطة التقاء بين «القراءات القرآنية» من جهة و«الأبنية الصرفية» اللغوية من جهة أخرى، عبر منطلقٍ مُركّز على تحليل ما اختاره الإمام أحمد بن إدريس في كتابه «الكتاب المختار في معاني قراءات أهل الأمصار». يبدأ الباحث بمقدمة تأصيلية توضّح موقع الأبنية الصرفية في النصّ القرآني، وأثرها في الأداء القرائي ووجوهه، ثمّ عرّف بالإمام ابن إدريس وسياقه العلمي، خصوصًا عمله في توجيه القراءات وربطها بالمعاني اللغوية والصرفية، مع الإشارة إلى دلالات اختيار القراءة التي تختلف في شكل صرفي – كتحويل الفعل إلى مصدر، أو تغيير الوزن الصرفي أو الجمع أو التأنيث – تأثّرًا بالمروية. بعد ذلك يقسم الكتاب إلى فصول تعالج مباحثًا محورية: أولًا تحليل ما ورد من اختيارات صرفية لدى ابن إدريس في «الكتاب المختار»، ثانيًا رصد الأمثلة من القرآن الكريم التي تَمَّ فيها هذا الاختيار، مع عرض القراءة التي اختارها ابن إدريس ومقارنتها بالوجه أو الأوجه الأخرى المعروفة، ثالثًا تفسير لماذا وقع الاختيار الصرفي عنده على هذا الوجه بدل الآخر، ورابعًا تقييم علمي لمدى ورود هذا الاختيار في المتون القرائية أو ارتباطه بأسلوب الأداء القرائي أو تأثره باللهجات الأمصارية أو بالنحو والصرف العربي الكلاسيكي. منهج الباحث يتميّز بالتحليل اللغوي‑الصرفي المدعوم بالبيانات القرائية، حيث يُعرّف المصطلح الصرفي ويضبطه، ثم يُطبّقه على قراءة أو أكثر، ويُبيّن كيف تغيّر البنية الصرفية (مثل من وزن «يفعلون» إلى «يفعلن»، أو من مصدر إلى فعل) بفعل وجه القراءة المختار، أو كيف أن القراءة اختارت بعض الأوزان الصرفية التي توافق دلالتها القرآنية أو سياقها. من أبرز المميزات الفنية والعلمية لهذا العمل: اللغة العربية الفصيحة والمنظومة العرضية المنهجية التي تتيح للقارئ فهم الربط بين القراءة والصرف دون تشويش؛ والأسلوب الأكاديمي الذي يستوعب الطالب والباحث معًا؛ وكذلك توثيق الباحث لمراجع القراءات واللغة والصرف مما يمنحه مصداقية في الطرح. الفئة المستهدفة من هذا الكتاب تضم طلاب علوم القرآن ودارسي التجويد والقراءات والمهتمين بالعلوم اللغوية‑الصرفية للقرآن، وكذلك الباحثين في التفسير اللغوي وسياق التلاوة؛ إذ يجدون فيه مادة قيّمة لفهم كيف يمكن للقراءة أن تتفاعل مع البناء الصرفي للنصّ. والقيمة التي يُضيفها إلى ميدان علوم القرآن تكمن في كونه يسدّ فجوةً معرفية بين حقلين – القراءات والأبنية الصرفية – ويُقدّم إطارًا تحليليًا يمكن استخدامه في الدراسات المستقبلية، مما يعزّز من دقة الفهم والتدريب القرائي بمعرفة أعمق للغة النصّ وكيفية تناولها القرّاء عبر التاريخ.
غير موجوه الآن