يُعَدُّ كتاب «كتاب الخط» لأبي بكر محمد بن السري بن سهل النحوي، المعروف بابن السراج، من المؤلفات التراثية التي تُعنى بقواعد الكتابة العربية وأصولها الإملائية، ويكشف عن جانب مهم من عناية علماء العربية بضبط الكتابة وصيانتها من الخطأ. وقد تناول المؤلف في هذا المصنَّف جملةً من المسائل المتعلقة برسم الكلمات وكتابة الحروف، مع الاهتمام بالظواهر الكتابية التي ترتبط ببنية الكلمة وأحوالها اللغوية.
وتبرز أهمية الكتاب في كونه يعالج الخط بوصفه نظامًا لغويًّا تحكمه قواعد وأصول، وليس مجرد وسيلة لتدوين الكلام. ومن الموضوعات التي يتناولها أحكام الهمزة، وطرائق كتابة الأفعال والأسماء، وبعض مسائل الحذف والإثبات، والوقف على الكلمات، وما يتصل بذلك من قواعد الهجاء والإملاء. ويستفيد المؤلف في معالجة هذه القضايا من النظر النحوي واللغوي، مما يُظهر الصلة الوثيقة بين علم النحو وعلم الكتابة. ومن أبرز خصائص الكتاب تنوع مسائله، واهتمامه بالتفاصيل التي يحتاج إليها المتعلم في معرفة أصول الكتابة الصحيحة. كما يعكس منهجه العلمي جهود النحاة الأوائل في تفسير الظواهر اللغوية وتقعيدها، والاستناد إلى الاستعمال العربي في بيان الأحكام. وتكمن قيمته التراثية في إسهامه في توثيق مراحل تطور التفكير الإملائي عند علماء العربية، وإبراز عنايتهم بضبط اللغة في صورتها المكتوبة. ويُفيد الكتاب الباحثين في تاريخ الكتابة العربية، وطلاب اللغة والنحو، والمهتمين بتطور قواعد الإملاء ومناهج التأليف اللغوي. كما يُعين على فهم بعض الأصول التي استندت إليها الدراسات اللاحقة في تقعيد الكتابة العربية. وتظهر أهميته كذلك في بيان أثر التحليل النحوي في تفسير صور الكلمات المكتوبة، وربط القواعد النظرية بالتطبيقات اللغوية. ويُعَدُّ هذا المصنَّف شاهدًا على رسوخ المنهج العلمي لدى ابن السراج، وعلى اهتمامه بتنظيم المسائل اللغوية وتوضيح أصولها. وبذلك يمثل الكتاب مصدرًا تراثيًّا نافعًا لدراسة الخط العربي من منظور لغوي ونحوي، ويُسهم في تعميق فهم الأسس التي قامت عليها قواعد الكتابة العربية.