يُعَدّ كتاب «التيسير في القراءات السبع» للإمام أبو عمرو الداني من أعمدة التأليف في علم القراءات، وهو من المصنفات التي حظيت بقبول واسع واعتماد كبير في حلقات التعليم عبر العصور، وقد ألّفه الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الداني الأندلسي، أحد أبرز أئمة هذا الفن، بهدف جمع أصول القراءات السبع وضبط مسائلها في عرض موجز جامع يسهل حفظه واستيعابه، وقد تناول الكتاب في محاوره الرئيسة بيان أصول القراء السبعة من حيث أحكام الهمز، والإدغام، والمدود، والإمالة، والوقف والابتداء، مع عرض مسائل فرش الحروف التي تتعلق بمواضع الاختلاف في كلمات القرآن الكريم، وقد امتاز الداني في هذا العمل بمنهج علمي دقيق يقوم على الاختصار مع الإحاطة، حيث جمع الروايات المعتمدة، ورتّبها ترتيبًا منهجيًا، مع الاقتصار على المشهور منها، مما جعله متنًا معتمدًا في التدريس، وقد اعتمد المؤلف في منهجه على النقل الموثوق بالسند، مع عناية بضبط الألفاظ وتحرير الأوجه، مما يعكس دقة علمية وأمانة في الرواية، وتتميّز لغة الكتاب بالإيجاز والوضوح، مع استخدام مصطلحات أهل هذا الفن، مما يجعله مناسبًا للدارسين المتقدمين، وقد كانت لهذا الكتاب أثر بالغ فيمن جاء بعده، إذ اعتمد عليه ابن الجزري وغيره من الأئمة في تقعيد هذا العلم، كما نُظِم في قصائد علمية مثل «الشاطبية»، ويُوجَّه هذا الكتاب إلى طلاب علم القراءات، خاصة في المراحل المتوسطة والمتقدمة، إذ يقدّم لهم مادة علمية أصيلة تمكّنهم من ضبط أصول القراءات السبع، وتكمن قيمته العلمية في كونه يمثل مرجعًا أساسًا في هذا الفن، حيث جمع بين الدقة في النقل وحسن الترتيب، وأسهم في حفظ هذا العلم ونقله عبر الأجيال، مما يجعله من الكتب المؤسسة في الدراسات القرآنية.