يُعَدّ كتاب «جمال القرّاء وكمال الإقراء» للإمام أبي الحسن علمِ الدين عليّ بن محمد بن عبد الصمد السخاويّ (558–643هـ) من المصنّفات الجامعة في علوم القرآن والقراءات؛ إذ ينهض جزؤه الأوّل ببناءٍ موسوعيٍّ يُعرِّف بأبوابٍ كبرى ويؤصّل لمفاهيمها، فقسّمه المؤلف إلى سبعة علوم: نثر الدرر في ذكر الآيات والسور، والإفصاح الموجز في إيضاح المعجِز، ومنازل الإجلال والتعظيم في فضائل القرآن العظيم، وتجزئة القرآن، وأقوى العدد في معرفة العدد، وذكر الشواذ، والطود الراسخ في المنسوخ والناسخ. ويتبدّى منهجه في الجمع بين الاستقراء والنقد؛ فيستوعب الروايات والآثار وأقوال الأئمة كأبي عمرو الداني وابن مجاهد، ثم يوازن بينها ويحرّر مواضع الاتفاق والخلاف بِلُغةٍ فصيحةٍ دقيقة تُزاوج بين بيان الدليل وتقعيد المصطلح. ويعنى السخاوي في هذا الجزء بإحكام التعاريف والحدود وتخريج الشواهد وتأصيل مسائل العدد والنسخ والشاذ على أصولها، مع ترتيبٍ منطقيٍّ يمهّد للطالب الانتقال إلى مباحث الأداء وفرش الحروف في مواضعها من الكتاب. وتمتاز مادته بهندسة معرفية واضحة تجمع التأصيل بالتطبيق، وتستحضر تاريخ المصطلحات ونموّها، وتبرز عناية المؤلف بالمصادر وتوثيق النقل، ما أكسب الكتاب أثرًا بيِّنًا فيمن جاء بعده. والكتاب لا يقتصر نفعه على طلاب القراءات، بل ينتفع به باحثو علوم القرآن والتفسير والبلاغة ومدرّسو حلقات الإقراء؛ إذ يقدّم معجمًا اصطلاحيًا موثوقًا وخرائط مقارنة لمسائل العدّ والنسخ والشاذ والفضائل. وتتمثل قيمته الثقافية والعلمية في ترسيخ قراءةٍ نسقيّة لعلوم القرآن تُقارب النصّ من زوايا متعدّدة ضمن مصنَّف واحد، وتؤسّس لوعيٍ تاريخيّ بمسارات التأليف وأصول الاحتجاج، فظلّ مرجعًا في بناء المقرّرات والدراسات اللاحقة حول منهج التقعيد القرائي وصلاته بسائر علوم القرآن.