يُعَدُّ كتاب أبو حاتم السجستاني والدراسات القرآنية قراءة وتوجيهًا وإعرابًا للقرآن الكريم للباحث يسري محمد ياسين الغباني من الدراسات الأكاديمية المتخصصة التي تناولت جهود أحد أعلام اللغة والقراءات في خدمة النص القرآني، وقد صدر عن جامعة أم القرى في دراسة موسعة تقع في ثلاث وستين وخمسمائة صفحة. ويتمحور موضوع الكتاب حول إبراز مكانة أبي حاتم سهل بن محمد السجستاني في الدراسات القرآنية، والكشف عن آرائه في القراءة وتوجيه القراءات وإعراب الآيات وبيان دلالاتها اللغوية. ويتناول المؤلف حياة أبي حاتم وشيوخه وتلاميذه ومؤلفاته ومكانته بين علماء عصره، ثم يتتبع أقواله وآراءه الموزعة في كتب القراءات والتفسير والنحو واللغة. كما يعرض مواقفه من القراءات المختلفة، ويبين معاييره في قبولها أو نقدها، والأسس اللغوية والنحوية التي اعتمد عليها في ترجيح بعض الأوجه أو توجيهها. ويسلك المؤلف منهجًا استقرائيًا تحليليًا يقوم على جمع النصوص المنسوبة إلى أبي حاتم من مصادرها الأصلية، ثم تصنيفها ودراستها ومقارنتها بأقوال القراء والنحويين والمفسرين. ويعتمد كذلك المنهج النقدي في مناقشة آرائه، فلا يكتفي بنقلها، بل يوازن بينها وبين الروايات القرائية الثابتة والقواعد العربية المعتبرة، ويبين ما لها وما عليها. ومن أبرز مميزات الكتاب شموله لجوانب متعددة من جهود أبي حاتم، إذ يجمع بين القراءة والتوجيه والإعراب واللغة، مما يقدم صورة متكاملة عن إسهامه في الدراسات القرآنية. كما يمتاز بسعة المصادر، ودقة التوثيق، وحسن ترتيب المادة، والعناية بعزو الأقوال إلى مظانها، وهو ما يمنحه قيمة علمية واضحة. وتتسم لغته بالرصانة الأكاديمية والوضوح، ويعتمد أسلوبه على العرض المنظم والتحليل المتدرج دون إغفال المصطلحات الفنية اللازمة للبحث. وتظهر أصالة الدراسة في جمع تراث أبي حاتم القرآني المتفرق وإعادة بنائه ضمن إطار علمي مستقل، بما يسهم في إحياء جانب مهم من جهود علماء اللغة الأوائل في تفسير القرآن وخدمته. كما يكشف الكتاب عن التداخل الوثيق بين علم القراءات والنحو والإعراب والدلالة، ويوضح كيف كانت المعرفة اللغوية أداة أساسية في توجيه الأوجه القرائية وفهمها. ويستهدف الكتاب الباحثين وطلاب الدراسات العليا والمتخصصين في علوم القرآن والقراءات والتفسير والنحو واللغة العربية وتاريخ المدارس اللغوية. ويفيد دارسي القراءات في التعرف إلى منهج أبي حاتم في التعامل مع الروايات، كما يفيد النحويين في الوقوف على آرائه الإعرابية وصلتها بالمعنى القرآني. ويعين المحققين على تتبع نصوصه المنقولة في المصادر، وتمييز آرائه من الآراء التي نسبت إليه دون تثبت. وتكمن قيمته العلمية في توثيق جهود عالم بارز لم تصل جميع مؤلفاته مستقلة، وجمع مادته القرآنية في دراسة واحدة تسهّل الإفادة منها. كما يضيف إلى المكتبة القرآنية بحثًا يجمع بين التأريخ والتحليل والنقد، ويبرز أثر المدرسة اللغوية في تطور الدراسات المتعلقة بالقرآن الكريم. وبذلك يمثل الكتاب مرجعًا مهمًا في دراسة أبي حاتم السجستاني، ويكشف عن عمق إسهامه في القراءة والتوجيه والإعراب، ويسهم في تعميق فهم الصلة بين علوم العربية وخدمة النص القرآني.