ينطلق هذا الكتاب من غرضٍ علميٍ لغويٍ وتاريخيٍ واضح يتمثل في دراسة اللهجات العربية القبائلية التي ظهرت في النقوش القديمة في الجزيرة العربية ــ سواء في شمالها وجنوبها ــ ومن ثمّ تتبّع انعكاساتها في النص القرآني والتراث اللغوي، فيؤكّد المؤلف أن النقوش العربية ــ وهي سجلات لغوية قبلية محمولة على الحجر أو المعادن قبل الإسلام ــ تمثّل مرآةً حقيقية للغويّة العربية في بيئاتها المختلفة، وأن القرآن الكريم عندما نزل قد خاطب هذه البيئة اللغوية المتعددة ما بين القبائل الشماليّة والجنوبيّة، فتجلّت في مفرداته وتراكيبه إشارات تدلّ على تنوع اللكنات والتراكيب اللغوية قبل توحّدها تحت ما صار يُعرَف بالفصيحة القرآنية، مع إبراز مفرداتٍ من تلك النقوش الماثلة في التراث والتي ورد ذكرها أو قرائنها في القرآن الكريم ومراجع اللغة والنقوش، مما يُقدّم بعداً جديداً لفهم العلاقة بين القرآن ولغة العرب الأمّ قبل الإسلام. عرض الكتاب — الذي يتألّف من نحو 46 صفحة وهو من منشورات دائرة الآثار العامة — مادةً مختصرة لكنها مركّزة على رصد لهجات القبائل العربية في النقوش القديمة (التي تضم أسماء القبائل، تراكيب لغوية، مفردات دلالية)، ثم يربط ذلك بما هو وارد في القرآن الكريم والتراث اللغوي، ما يوفّر رؤية تاريخية-لسانية عن تفاعل القرآن مع الواقع اللغوي القبلي في الجزيرة، بعيداً عن التعميم الاحادي للغة واحدة، بل مع إبراز التباينات واللهجات التي كانت قائمة قبل العصر الإسلامي. من حيث المنهج، فإن المؤلف يتّبع أسلوبًا تحقيقيًا ووصفياً يجمع بين تحليل النقوش الميدانية وبين المراجع القرآنية والتراثية، مما يجعل المادة مفيدة للغويين والباحثين في تاريخ اللغة العربية وعلوم القرآن المعنية بلغة التنزيل ومعاني المفردات وكيفية ارتباطها باللهجات القبائلية الموثقة في النقوش التاريخية. فئة المستفيدين من هذا العمل هم الباحثون في التاريخ اللغوي للعربية، لغويّو القرآن الكريم، طلاب الدراسات العليا في اللغة والتاريخ، والمشتغلون بعلوم المعاني والنقوش، إذ يمكنهم من خلاله فهم تنوع اللسان العربي في البيئة قبل الإسلامية وارتباطه بتراكيب القرآن الكريم، مما يعزّز قدرته على تحليل المفردات وفهم دلالاتها التاريخية. وقيمته العلمية والثقافية تتجلّى في أنه — كبحث منشور في مجلة مجمع اللغة العربية الأردني المحكمة — يُقدّم جسرًا بين علم اللغة التاريخي والنقوش العربية وبين القرآن الكريم والتراث اللغوي الإسلامي، فيكشف عن أصول اللهجات التي ساهمت في بناء العربية الفصيحة والتراث الدلالي، ويُضيف منظورًا جديدًا لدراسة لغة القرآن في سياقها القبلي والاجتماعي قبل الإسلام.
غير موجوه الآن