يُعَدّ كتابُ «أماكنُ نزولِ القرآنِ غيرَ مكةَ والمدينةِ» للدكتورة عزيزة بنت مقعد العتيبي دراسةً توثيقيةً رصينةً تسدّ فراغًا في مدوّنة علوم القرآن بتمحيص ما نزل من الآيات خارج الحرمين؛ إذ تجمع المؤلِّفة مادتها من الأحاديث والآثار وتعرِّف بهذه الأمكنة تعريفًا تاريخيًّا وجغرافيًّا مدعّمًا بخرائط إيضاحية. وينصرف الكتاب إلى تحقيب أماكن النزول وترتيبها على أربعة أبواب: ما قَرُب من مكة كمنى وغار حراء وعرفة والحديبية، وما قَرُب من المدينة كأُحُد والبيداء وحمراء الأسد، ثم ما كان خارج الضواحي كمواطن كُراع الغميم وعُسفان وبدر وتبوك، وأخيرًا مواضع نُقلت أخبارها ولم يثبت فيها نزول كغدير خُمّ والجُحفة والمريسيع والطائف وحُنين وخيبر وبطن نخلة وذات الرقاع وبيت المقدس. وقد انتهجت المؤلِّفة منهجًا وصفيًّا تحليليًّا قائمًا على الاستقراء والموازنة؛ فجمعت الروايات وحدّدت درجات ثبوتها، وقابلت نصوص النقل بكتب البلدان قديمِها وحديثِها، وربطت الدليل النقلي بالوصف المكاني لتكوين صورة محكمة لمواضع التنزيل. ومن أبرز نتائجها تقرير أنّ أكثر القرآن نزل بمكة والمدينة، وأنّ ما صحّ نزوله في غيرهما قليل، مع تحرير الحصر في أحد عشر موضعًا ثابتًا والتنصيص على تسعة مواضع لم يثبت فيها شيء، وهو تحرير يُقوّي بناء المقرّرات ويقلّل التردّد في التدريس. وتمتاز الدراسة بلغةٍ فصيحةٍ دقيقةٍ وتنظيمٍ محكمٍ يبدأ بمدخل يؤصّل لمصطلح «أماكن النزول» وتاريخه وقواعده، ثم يعرض المادة وفق منهجٍ مقارنٍ يبيّن علل الترجيح ويُيسّر تمثّل الوقائع جغرافيًّا. والكتاب موجّه إلى باحثي علوم القرآن وطلبة الدراسات العليا ولجان مراجعة المصاحف والمعلّمين، إذ يزوّدهم بإطار معياريّ لضبط الشواهد وربطها بسياقاتها التاريخية والمكانية. وتبرز قيمته في إحياء «علم أماكن النزول» بمنهج نقدي موثّق يجسر بين النص والرواية والمكان، ويثري كتابة السيرة التنزيلية للقرآن وخرائطها التعليمية المعاصرة.